كانت جريمة قتل رينيه نيكول غود على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك (ICE) صباح الأربعاء في مينيابوليس عملية إعدام متعمدة في وضح النهار. أطلق العنصر، الذي ما كُشف عن اسمه، وهو واحد من آلاف العناصر المنتشرين في المدينة، ثلاث رصاصات من مسافة قريبة جداً على وجه المرأة البالغة من العمر 37 عاماً، وهي شاعرة ومواطنة أمريكية وأم لثلاثة أطفال، بينما كانت تحاول الفرار بسيارتها من مجموعة من العملاء الفيدراليين في شارع بورتلاند في الجانب الجنوبي من المدينة.
أظهرت الأدلة المصورة أن غود أشارت لمركبات الشرطة الفيدرالية بالمرور، وما أعاقت أي عملية. عندما اقترب العملاء من سيارتها، تراجعت وحاولت الانطلاق. وقف أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك أمام السيارة وأطلق رصاصة عبر الزجاج الأمامي. وبينما كانت غود تُحاول الابتعاد، أطلق العميل نفسه رصاصتين أخريين عبر نافذة جانب السائق من مسافة قريبة جداً.
بعد إطلاق النار، رفض العملاء السماح لطبيب بتقديم الإسعافات الأولية، ومنعوا سيارة الإسعاف من الوصول إلى مكان الحادث، وقمعوا بعنف أفراد المجتمع والصحفيين الذين تجمعوا.
لم يكن موقع الجريمة يبعد سوى ميل واحد تقريباً عن المكان الذي خنق فيه شرطي من مينيابوليس جورج فلويد حتى الموت في مايو/أيار 2020، مما أشعل فتيل احتجاجات دولية واسعة النطاق ضد عنف الشرطة. ومثل وفاة فلويد، تم توثيق مقتل رينيه غود من قبل عشرات المارة، الذين صرخوا في حالة صدمة وغضب، ونددوا بعناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ووصفوهم بـ'القتلة'.
ورد مسؤولو إدارة ترامب بسيل من الأكاذيب التي هدفت إلى إنكار ما عرفه ملايين الأشخاص من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ووصف ستيفن ميلر، المعروف بتوجهاته الفاشية، ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، غود بأنها 'إرهابية محلية'. وأصدر ترامب بياناً زعم فيه أن القتل كان 'دفاعًا عن النفس'، مؤكداً، في تناقض صارخ مع لقطات الفيديو، أن غود 'دهست ضابط إدارة الهجرة والجمارك بعنف وعمد وهمجية'.
تتحدث عصابة المجرمين في البيت الأبيض عن شعب الولايات المتحدة بكراهية وازدراء مكشوفين. عرف الجميع أن إدارة الهجرة والجمارك ستقتل شخصاً ما في وقت ما؛ كان ذلك مسألة وقت لا أكثر. ولن تكون رينيه نيكول غود الأخيرة. في الواقع، يُعد موتها النتيجة المقصودة للتعبئة شبه العسكرية الضخمة التي أطلقتها إدارة ترامب في مدنٍ في جميع أنحاء البلاد، والتي تُمثل رأس الحربة لمؤامرة أوسع نطاقاً لإقامة دكتاتورية.
تأتي جريمة القتل التي ارتكبتها الدولة في مينيابوليس بعد أربعة أيام فقط من اقتحام قوات الكوماندوز الأمريكية لكاراكاس، عاصمة فنزويلا، واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وقتل العشرات من الفنزويليين خلال العملية. ثمة صلة مباشرة بين أعمال العصابات الدولية التي تمارسها إدارة ترامب ومقتل مواطنة أمريكية في شوارع مدينة رئيسية.
كتب موقع الاشتراكية العالمية في بيانه بشأن الهجوم على فنزويلا: 'لفرض هيمنة استعمارية جديدة في الخارج، يجب على الإدارة أيضاً التغلب على معارضة شعبية واسعة في الداخل. وستُقابل الكوارث الحتمية الناجمة عن هذه الاستراتيجية بعنف أكبر، دولياً وداخل الولايات المتحدة'. وقد تأكد ذلك التحذير الآن في شوارع مينيابوليس.
تسعى إدارة ترامب إلى استخدام نصف الكرة الغربي كقاعدة لبسط نفوذها العسكري ضد المنافسين الرئيسيين للإمبريالية الأمريكية حول العالم: الصين وروسيا وإيران، بالإضافة إلى القوى الإمبريالية الأوروبية. وغرد ترامب، بعد ساعات فقط من مقتل رينيه غود، بأنه يريد رفع الميزانية العسكرية بنسبة 50% هذا العام، لتصل إلى 1.5 تريليون دولار. وسيستلزم ذلك تخفيضات أكثر جذرية في المزايا الاجتماعية، من التعليم والرعاية الصحية إلى الضمان الاجتماعي.
لا يمكن فرض مثل هذه السياسات ديمقراطياً. ولهذا السبب، ضخّ ترامب أموالاً طائلة في وزارة الأمن الداخلي وقواتها شبه العسكرية الشبيهة بالجيستابو، وهما إدارة الهجرة والجمارك وحماية الحدود، مع خطط لمضاعفة سعة مراكز احتجاز المهاجرين التي تُعدّ معسكرات اعتقال بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولن تُتخذ هذه الإجراءات ضد المهاجرين فحسب، بل ستُقمع أيضاً أي معارضة من العمال والشباب.
تشهد الولايات المتحدة انقلاباً مُدبّراً من قِبل الرئيس الحالي لإقامة دكتاتورية. وفي ردّه على جريمة القتل من قبل أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك، وصف عمدة مينيابوليس، جاكوب فراي، مبررات إدارة ترامب بأنها 'هراء'، وقال إن البيت الأبيض يسعى إلى تهيئة الظروف التي تُمكّنه من 'فرض احتلال عسكري على مدينتنا'.
أقرّ حاكم ولاية مينيسوتا، تيم والز، بخطر التدخل العسكري الفيدرالي الشامل في الولاية. وقال إنه أبلغ الحرس الوطني في مينيسوتا بالاستعداد لإصدار أمر بالانتشار في حال عدم سحب أكثر من ألفي عميل فيدرالي أُرسلوا إلى ولايته، مصرحاً: 'لم نكن يومًا في حالة حرب مع حكومتنا الفيدرالية'.
لكنه ألمح بوضوح إلى أن الحكومة الفيدرالية في حالة حرب مع مينيسوتا. وحثّ الغاضبين من جريمة قتل عناصر إدارة الهجرة والجمارك على تجنب العنف، قائلاً: 'سكان مينيسوتا لن يقعوا في الفخ... لا تسمحوا لهم بتفعيل قانون التمرد. لا تسمحوا لهم بإعلان الأحكام العرفية'.
لكن هذا ما تفعله إدارة ترامب. وينصح الديمقراطيون بـ'ضبط النفس' في مواجهة دكتاتورية ناشئة، وكأن البيت الأبيض سيتوقف عن مؤامراته الإجرامية إذا لم يفعل الشعب شيئاً لاستفزازه.
أعلن والز بنفسه هذا الأسبوع أنه سيتخلى عن حملته لإعادة انتخابه، مستسلماً، بل ومروجاً للافتراءات والأكاذيب الموجهة ضد المهاجرين الصوماليين في المدن التوأم. ولن يفعل الحزب الديمقراطي شيئاً للدفاع عن الحقوق الديمقراطية للشعب الأمريكي. فقد رفض محاسبة ترامب على محاولته الانقلابية الأولى في 6 كانون الثاني/ يناير 2021، وفتحت سياساته اليمينية المؤيدة للشركات الباب أمام ترامب للعودة إلى السلطة بعد أربع سنوات من سعيه لانتهاك الدستور الأمريكي.
هناك أسباب طبقية واضحة وراء هذا العجز: فالديمقراطيون، شأنهم شأن الجمهوريين، حزبٌ يُمثل النخبة الرأسمالية الحاكمة، يدعم المصالح العالمية للإمبريالية الأمريكية وهيمنة الأوليغارشية المالية محلياً.
يتصاعد الغضب في جميع أنحاء البلاد، وقد نُظمت احتجاجات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة ضد جريمة قتل إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس.
لا يمكن أن يكون هدف الاحتجاجات هو مناشدة نفس المجرمين الذين يدبرون هذه الجرائم لتغيير سياساتهم. يجب أن ينطلق النضال من أجل الدفاع عن الحقوق الديمقراطية من الطبقة العاملة، القوة الاجتماعية التي تمتلك القدرة، والتي تتوافق مصالحها الطبقية مع معارضة الأوليغارشية وانتهاكاتها للحقوق الديمقراطية.
يدعو حزب المساواة الاشتراكية المتظاهرين على مقتل غود إلى تقديم مطالب واضحة لا هوادة فيها، تشمل ما يلي:
• الاعتقال الفوري ومحاكمة جميع المسؤولين عن مقتل رينيه نيكول غود
• سحب جميع قوات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) وحرس الحدود (CBP) ووزارة الأمن الداخلي (DHS) من مينيابوليس وجميع المدن الأخرى
• إلغاء هذه الأجهزة القمعية التي ترهب مجتمعات المهاجرين
• الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين لدى إدارة الهجرة والجمارك (ICE) ووقف جميع المداهمات وعمليات التسليم والترحيل
• ضمان الحقوق والحماية القانونية الكاملة لجميع العمال المهاجرين وعائلاتهم
لا يمكن تحقيق هذه المطالب إلا من خلال نضال اجتماعي جماهيري. يتجه منطق الأحداث حتماً نحو إضراب عام ضد نظام ترامب: تدخل جماهيري منسق من قبل العمال في جميع القطاعات لوقف آلة القمع والاستغلال.
تجدر الإشارة إلى أن مينيابوليس كانت مسرحًا للإضراب العام التاريخي عام 1934، حيث واجه العمال حملة قمع همجية من الشركات والدولة وهزموها. عندما أطلقت الشرطة النار على سائقي الشاحنات المضربين، مما أسفر عن مقتل هنري نيس وجون بيلور، اللذين كانا عضوين في نقابة سائقي الشاحنات، رد العمال بتنظيم فرق دفاع مسلحة، واجتاحوا الشوارع وأجبروا الشرطة على التراجع. أشعل الإضراب العام موجة من المعارك الطبقية الثورية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك إضرابات الاعتصام بعد ثلاث سنوات. بقيادة الاشتراكيين، وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى الحركة التروتسكية، خلقت هذه النضالات المنظمات النقابية الصناعية الجماهيرية التابعة لمؤتمر المنظمات الصناعية.
تلاشت النقابات العمالية، كنقابة سائقي الشاحنات (Teamsters)، التي تأسست في خضم تلك المعارك الطبقية الكبرى، منذ زمن بعيد، ولم تعد سوى هياكل بيروقراطية تخدم مصالح الشركات لا مصالح العمال. لكن الفجوة الطبقية العميقة في المجتمع الأمريكي لم تكتفِ بالبقاء، بل اتسعت إلى أبعاد غير مسبوقة.
تحتاج الطبقة العاملة إلى أشكال تنظيمية جديدة لتوفير قاعدة للمقاومة الجماهيرية ضد برنامج الطبقة الحاكمة القائم على الديكتاتورية والحرب.
يقترح حزب المساواة الاشتراكية التطوير المنهجي للجان الطبقة العاملة في المصانع وأماكن العمل ومراكز الخدمات اللوجستية والمدارس والمستشفيات والأحياء. بإمكان هذه المنظمات كسر قبضة البيروقراطية النقابية التي تسيطر عليها الشركات، وتوحيد النضالات عبر مختلف القطاعات والمناطق والحدود الوطنية، والدفاع عن المهاجرين وغيرهم من الفئات المستهدفة بالقمع السياسي.
قد صرّح ترامب بأنه سيحكم كديكتاتور، وتصرف حكومته كعصابة إجرامية ضد شعب فنزويلا وشعوب الدول الأخرى في الخارج، وضد الشعب الأمريكي في الداخل.
تتصرف إدارة ترامب وتتحدث بصفتها الممثل السياسي لأوليغارشية رأسمالية أوصلته إلى السلطة تحديداً لأن مصالحها لم تعد تُؤمَّن بالوسائل القانونية أو الديمقراطية.
لا يمكن فصل النضال من أجل الدفاع عن الحقوق الديمقراطية عن النضال ضد هذه الأوليغارشية والنظام الرأسمالي الذي تدافع عنه. كل حق أساسي من حرية التعبير والاحتجاج، والحق في العيش والعمل دون خوف من عنف الدولة أو الترحيل، والحق في الرعاية الصحية والسكن والتعليم ومستوى معيشي لائق - يتعارض تعارضًا مباشرًا مع نظام اجتماعي قائم على الاستغلال والربح الخاص. السبيل الوحيد الممكن للمضي قدمًا هو بناء حركة سياسية مستقلة للطبقة العاملة من أجل الاشتراكية.
